ابن تيمية

16

منهاج السنة النبوية

وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ : الْأَمْرُ بِالصَّدَقَةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَكُونُوا عُصَاةً بِتَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِ مَنْ أَرَادَ النَّجْوَى ، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ النَّجْوَى إِذْ ذَاكَ إِلَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَصَدَّقَ لِأَجْلِ الْمُنَاجَاةِ ( 1 ) . وَهَذَا كَأَمْرِهِ بِالْهَدْيِ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَأَمْرِهِ بِالْهَدْيِ لِمَنْ أُحْصِرَ وَأَمْرِهِ لِمَنْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأَسِهِ بِفِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ . وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ لَمَّا مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ وَهَوَامُّ رَأْسِهِ تُؤْذِيهِ ( 2 ) . وَكَأَمْرِهِ لِمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ بِعِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَكَأَمْرِهِ لِمَنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ بِإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتِهِمْ أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ، وَكَأَمْرِهِ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَغْسِلُوا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَكَأَمْرِهِ إِذَا قَرَءُوا الْقُرْآنَ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ . فَالْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ إِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ إِلَّا فِي حَقِّ وَاحِدٍ لَمْ يُؤْمَرْ

--> ( 1 ) انْظُرْ تَأْوِيلَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ وَفِيهِ : قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : نُهُوا عَنْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَتَصَدَّقُوا ، فَلَمْ يُنَاجِهِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَدَّمَ دِينَارًا صَدَقَةً تَصَدَّقَ بِهَا ، ثُمَّ نَاجَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ عَشْرِ خِصَالٍ ، ثُمَّ أُنْزِلَتِ الرُّخْصَةُ . وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ : ( إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، مَا كَانَتْ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، هَكَذَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ . أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ عَلِيٌّ : مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ غَيْرِي حَتَّى نُسِخَتْ ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَمَا كَانَتْ إِلَّا سَاعَةً . ( 2 ) وَهَذَا كُلُّهُ فِي آيَةٍ 196 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ] : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) الْآيَةَ وَانْظُرْ تَفْسِيرَهَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهِ ، وَانْظُرْ مَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ فِي شَأْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .